/ الفَائِدَةُ : (120 / 387) /

16/06/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . ‏[قِرَاءَةٌ حَضَارِيَّةٌ مُسْتَجِدَّةٌ لِشَرْطِيَّةِ الْوَلَايَةِ فِي الْعِبَادَاتِ] ‏[شَرْطِيَّةُ الْوَلَايَةِ فِي الْعِبَادَاتِ: مِنَ الصِّحَّةِ الْفِقْهِيَّةِ إِلَى الْفَاعِلِيَّةِ الْحَضَارِيَّةِ] ثَمَّتَ قِرَاءَةٌ مُسْتَجِدَّةٌ ـ بَالِغَةُ الْأَهَمِّيَّةِ وَالْأَثَرِ ـ لِمَفْهُومِ شَرْطِيَّةِ الْوَلَايَةِ فِي الْعِبَادَاتِ ، تَتَجَاوَزُ مَا قَرَّرَهُ أَعْلَامُ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ لَدَى الْإِمَامِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَبُولِ الْأُخْرَوِيِّ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ : أَنَّ الْعِبَادَاتِ جَمِيعَهَا ـ مِنْ صَلَاةٍ ، وَصِيَامٍ ، وَخُمْسٍ ، وَزَكَاةٍ ، وَحَجٍّ ، وَجِهَادٍ ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ مَبَارَّ وَأَعْمَالٍ خَيْرِيَّةٍ ـ لَا تَتَحَقَّقُ مَاهِيَّتُهَا الْعِبَادِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ إِلَّا إِذَا غَدَتْ مَشْحُوذَةً لِإِعْلَاءِ رَايَةِ الْوَلَايَةِ ؛ وَإِلَّا ـ بِأَنْ تَعَرَّى النِّظَامُ الْحَضَارِيُّ وَالسُّلُوكُ الْعَمَلِيُّ عَنِ الِانْتِسَابِ لِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِتْرَتِهِ الطَّاهِرَةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، وَلَمْ تَتَلَوَّنِ الْعِبَادَةُ بِصِبْغَتِهَا ـ فَإِنَّهَا لَنْ تُورِثَ الْبَشَرِيَّةَ سِلْمًا ، بَلْ سَتَكُونُ وَبَالًا عَلَيْهَا ، وَوَقُودًا لِإِذْكَاءِ النَّعَرَاتِ الْفِئَوِيَّةِ ، وَالْعَصَبِيَّاتِ الْقَوْمِيَّةِ وَالْقَبَلِيَّةِ ، وَتَغْذِيَةِ الْأَنَانِيَّاتِ ؛ وَحِينَهَا تَكُونُ صُورَةُ الْعِبَادَةِ وَقِشْرُهَا الظَّاهِرِيُّ مُتَلَأْلِئًا ، بَيْدَ أَنَّ لُبَّهَا وَبَاطِنَهَا مَحْضُ كُدُورَةٍ وَرِجْسٍ يَعُودُ عَلَى الْإِنْسَانِيَّةِ بِالْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ فِي كَافَّةِ مَنَاحِي الْحَيَاةِ . وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ جَلِيَّةٌ ؛ إِذِ الْوَلَايَةُ هِيَ الْمَحَجَّةُ الْحَصْرِيَّةُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ لِبُلُوغِ الْأَمْنِ الْأُمَمِيِّ وَالسَّلَامِ الْبَشَرِيِّ الشَّامِلِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَجَبَ عَلَى الْمَرْءِ ـ مَهْمَا سَمَتْ رُتْبَتُهُ الدِّينِيَّةُ ، أَوْ الِاجْتِمَاعِيَّةُ ، أَوْ الْعِلْمِيَّةُ ، أَوْ الْفَنِّيَّةُ ـ أَنْ يَصْهَرَ نَفْسَهُ ، وَمَلَكَاتِهِ ، وَصِنَاعَتَهُ ، وَانْتِمَاءَاتِهِ ، وَجُمْلَةَ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ ، فِي حِلِّهِ وَتِرْحَالِهِ ، وَيُجَنِّدَهَا خَالِصَةً لِلَّهِ (جَلَّ جَلَالُهُ) ، وَلِرَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، وَلِذَوِي الْقُرْبَى نُورِ الثَّقَلَيْنِ ، مُنْطَوِيًا تَحْتَ لِوَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ لِيَعْظُمَ إِثْمَارُهُ فِي خَلَاصِ الْبَشَرِيَّةِ وَأَمْنِ الْوُجُودِ كَافَّةً . وَهَذَا لَعَمْرِي مَعْنًى دَقِيقٌ ، رَشِيقٌ ، وَمُسْتَحْدَثٌ لِشَرْطِيَّةِ الْوَلَايَةِ فِي مَبَانِي الْعِبَادَاتِ. وَمِنْهُ يَنْجَلِي : أَوَّلًا : السِّرُّ الْمَلَكُوتِيُّ لِزِيَارَةِ عَاشُورَاءَ ؛ إِذْ يَتَحَتَّمُ صَهْرُ كُلِّ فِعْلٍ وَفَاعِلِيَّةٍ فِي سَبِيلِ الْوَلَايَةِ وَإِعْلَاءِ رَايَتِهَا ، وَهَذَا سِرٌّ بَالِغٌ ، وَمِحْوَرٌ أَسَاسٌ فِي الْمَشْرُوعِ الْحَضَارِيِّ لِأَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ). ثَانِيًا : تَقَبُّضُ بَعْضِ النُّفُوسِ وَامْتِعَاضُهَا مِنْ زِيَارَةِ عَاشُورَاءَ . وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الذَّاهِلِينَ عَنْ عُمْقِهَا لَمْ يُدْرِكُوا أَنَّهَا مَشْرَعَةُ الْخَلَاصِ ، وَسَفِينَةُ النَّجَاةِ الْعُظْمَى لِجُمْلَةِ الْبَرِيَّةِ ، وَفِي كَافَّةِ الْعَوَالِمِ وَالنَّشَآتِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ. ثَالِثًا : حَقِيقَةُ حُكْمِ الْبُطْلَانِ الْعَائِدِ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ وَلَايَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ إِذْ لَا يَقْتَصِرُ الْبُطْلَانُ هُنَا عَلَى الِاعْتِبَارِ الْفِقْهِيِّ الظَّاهِرِيِّ فَحَسْبُ ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى عَدَمِ تَرَتُّبِ الْأَثَرِ الْحَضَارِيِّ وَالْمَلَكُوتِيِّ لِلْعَمَلِ فِي كَوْنِهِ وَسِيلَةً لِخَلَاصِ النَّفْسِ وَأَمْنِ الْبَشَرِيَّةِ. رَابِعًا : حَقِيقَةُ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ خِلْوٍ مِنَ الْوَلَايَةِ تَنْعَكِسُ تَمَرُّدًا شَيْطَانِيًّا ، وَتَصِيرُ صَائِرَتُهَا إِلَى لَظَى ؛ بَلْ تَنْقَلِبُ تِلْكَ الْفَاعِلِيَّةُ الظَّاهِرِيَّةُ نِقْمَةً وَوَبَالًا عَلَى الْإِنْسَانِيَّةِ ؛ إِذِ الْعَمَلُ الْمَبْتُورُ عَنْ عِلَّتِهِ الْغَائِيَّةِ ـ وَهِيَ الْوَلَايَةُ ـ يُغَذِّي الِاسْتِكْبَارَ النَّفْسَانِيَّ ، وَيُؤُولُ بِصَاحِبِهِ إِلَى مَرَاتِبِ الطُّغْيَانِ. وَإِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ أَشَارَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الْمُسْتَفِيضُ ، بَلِ الْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ : « ... إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ ، مَنْ دَخَلَ فِيهَا نَجَا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ » (1). 2ـ بَيَانُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فِي وَصِيَّتِهِ لِأَبِي ذَرٍّ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « ... ثُمَّ حبّ أَهْلِ بَيْتِي الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا . وَاعْلَمْ يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) جَعَلَ أَهْلِ بَيْتِي فِي أُمَّتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْهَا غَرِقَ ...» (2). وَدَلَالَتُهُ ـ كَسَابِقِهِ ـ جَلِيَّةٌ؛ إِذْ مَفَادُهُ: أَنَّ النَّجَاةَ وَالفَلَاحَ وَهَلُمَّ جَرًّا مَنُوطَانِ بِتَوَلِّي أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)، وَإِلَّا غَدَتِ الصَّلَاةُ وَسَائِرُ العِبَادَاتِ، بَلْ جُمْلَةُ مَا يَأْتِيهِ المَرْءُ مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ وَجَمِيعُ مُعْتَقَدَاتِهِ وَمَعَارِفِهِ وَعُلُومِهِ، مَظِنَّةَ هَلَاكٍ لِلنَّفْسِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ فِي شَتَّى مَنَاحِي الحَيَاةِ ؛ كَالْأَمْنِيَّةِ ، وَالْعَسْكَرِيَّةِ ، وَالاِقْتِصَادِيَّةِ ، وَالتِّجَارِيَّةِ ، وَالزِّرَاعِيَّةِ ، وَالصِّنَاعِيَّةِ ، وَالتَّنْمَوِيَّةِ ، وَالْأَخْلَاقِيَّةِ ، وَالتَّرْبَوِيَّةِ ، وَالْحَضَارِيَّةِ ، وَالْأُسَرِيَّةِ ، وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ . وَلَنْ تَبْلُغَ البَشَرِيَّةُ ـ بَلْ مُطْلَقُ الخَلَائِقِ فِي العَوَالِمِ كَافَّةً ـ غَايَةَ طُمُوحِهَا وَسَعَادَتِهَا الأَبَدِيَّةِ إِلَّا بِهَذَا المَسْلَكِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 44 : 70 ـ 86/حِ1. الْاِحْتِجَاجُ : ١٣٧ـ١٤٣. (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 74 : 74 ـ 91. الْأَمَالِي ، 2 : 138